في مطلع 2020، أجبرت الجائحة ملايين المستهلكين السعوديين على تغيير أنماط إنفاقهم بين ليلة وضحاها: أغلقت المطاعم والمراكز التجارية، وتوقف السفر، وانخفض الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 3.9% في عام واحد. لكن بعد خمس سنوات فقط، أصبحت الصورة مختلفة تماماً · إنفاق استهلاكي تجاوز 1.57 تريليون ريال في 2025، ونمو بنسبة 11% عن العام السابق، وتحوّل جذري في طريقة الدفع وأولويات الصرف.
هذا المقال يتتبع رحلة الإنفاق في المملكة من الانكماش إلى الطفرة، ويحلل أين يذهب ريال المستهلك السعودي اليوم، وكيف يمكن للمستثمر وصاحب الشركة فهم هذه التحولات واستثمارها.
الصورة الكبرى: مسار الإنفاق الاستهلاكي
الأرقام تروي قصة تعافٍ سريع وتسارع مستمر. بعد الانخفاض في 2020، عاد الإنفاق الاستهلاكي للنمو بمعدلات ثنائية الرقم، مدفوعاً بعودة النشاط الاقتصادي وزيادة ثقة المستهلك وتوسّع القطاعات الترفيهية والسياحية.
الملاحظ أن الإنفاق لم يتعافَ فقط إلى مستويات ما قبل الجائحة · بل تجاوزها بفارق كبير. الاستهلاك المنزلي ارتفع من 325 مليار دولار في 2020 إلى ما يقارب 557 مليار دولار في 2024، أي بنمو تراكمي يتجاوز 71% في أربع سنوات. وفي 2025 بدأ العام بزخم قوي: الإنفاق في يناير وحده ارتفع بنسبة 31% مقارنة بيناير 2025.
النمو المستمر في الإنفاق الاستهلاكي يعني أن السوق السعودي يتوسّع فعلياً وليس فقط يتعافى. هذا يفتح فرصاً في قطاعات كانت غير مجدية اقتصادياً قبل خمس سنوات · خاصة في الترفيه والمطاعم والتجارة الإلكترونية.
أين يذهب ريال المستهلك السعودي؟
تحوّلات الإنفاق لم تكن فقط في الحجم، بل في التوزيع أيضاً. بعض القطاعات نمت بسرعة أكبر بكثير من غيرها، وهذا التفاوت هو ما يهم المستثمر أكثر من الرقم الإجمالي.
نصيب الفرد سنوياً من الإنفاق على السكن. قروض الرهن العقاري وصلت إلى 951 مليار ريال بنمو 7.7% في 2025، ونسبتها من الناتج المحلي ارتفعت من 14.8% في 2022 إلى 20% في 2025.
نصيب الفرد سنوياً. الأغذية والمشروبات تتصدر الإنفاق الاستهلاكي بحصة 16% من الإجمالي. أسر غير السعوديين تنفق 1,474 ريال شهرياً على الغذاء وحده.
نصيب الفرد سنوياً من الإنفاق على النقل. يعكس توسع المدن وزيادة التنقل بين المناطق مع تطور البنية التحتية ومشاريع النقل العام الجديدة.
نصيب الفرد سنوياً. سوق المطاعم بلغ 30 مليار دولار في 2025 وينمو بمعدل 8.2% سنوياً. قطاع المقاهي هو الأسرع نمواً بمعدل 12% سنوياً.
الثورة الرقمية: من الكاش إلى المحفظة الرقمية
ربما يكون التحول الأعمق في خمس سنوات ليس في حجم الإنفاق، بل في طريقة الدفع. في 2020، كان الدفع النقدي لا يزال يسيطر على جزء كبير من المعاملات. في 2025، أصبح المشهد مختلفاً جذرياً.
أرقام مدى وحدها تكشف حجم التحول: مبيعات التجارة الإلكترونية عبر بطاقات مدى قفزت بنسبة 65% في 2025 لتصل إلى 325 مليار ريال · وهو أعلى مستوى على الإطلاق. أما في المتاجر الفعلية، فنقاط البيع سجلت أكثر من 559 مليار ريال في 2022، ونمت بنحو 18% في ذلك العام وحده.
خريطة الدفع الرقمي في 2025
اللافت أن المحافظ الرقمية تصدرت وسائل الدفع بنسبة 36%، متفوقة على بطاقات مدى نفسها. هذا يعني أن المستهلك السعودي لم يتحول فقط من الكاش إلى البطاقة · بل قفز مباشرة إلى الجوال. وانخفض الدفع عند الاستلام إلى أقل من 30% من معاملات التجارة الإلكترونية بعد أن كان مهيمناً.
أي مشروع تجاري جديد يجب أن يُبنى أولاً للدفع الرقمي. البنية التحتية للدفع الإلكتروني لم تعد ميزة تنافسية · أصبحت شرطاً أساسياً. كذلك، نمو BNPL بنسبة 5% يشير إلى فرصة في التمويل الاستهلاكي المنظم.
الإنفاق الحكومي: الوقود الذي يحرّك الماكينة
لا يمكن فهم نمو الإنفاق الاستهلاكي دون النظر إلى الإنفاق الحكومي الذي يغذّيه. الحكومة السعودية زادت إنفاقها بشكل متواصل خلال الفترة 2020–2025، مع تركيز واضح على القطاعات التي تنعكس مباشرة على جودة الحياة والاستهلاك.
تأثر الإنفاق بالجائحة وانخفاض أسعار النفط. الحكومة ضخت حزم تحفيزية لدعم القطاع الخاص والأفراد مع رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%.
ارتفاع أسعار النفط وفّر فائضاً نادراً في الميزانية. توسّع الإنفاق على البنية التحتية ومشاريع الرؤية مع الحفاظ على الانضباط المالي.
الميزانية تجاوزت 1.25 تريليون ريال. الصحة والتنمية الاجتماعية استحوذت على الحصة الأكبر، والتعليم في المرتبة الثانية · تأكيداً على أولوية رأس المال البشري.
الإنفاق الفعلي بلغ 1.388 تريليون ريال، متجاوزاً التقديرات الأولية (1.285 تريليون). الصحة والتنمية الاجتماعية حصلت على 279 مليار ريال، والتعليم على 213 مليار ريال.
توزيع الإنفاق الحكومي 2025
| القطاع | المبلغ (مليار ريال) | نسبة من الإجمالي |
|---|---|---|
| الصحة والتنمية الاجتماعية | 278.9 | 20.1% |
| التعليم | 212.5 | 15.3% |
| الخدمات العسكرية | ~190 | ~13.7% |
| البنية التحتية والنقل | ~155 | ~11.2% |
| الموارد الاقتصادية | ~130 | ~9.4% |
| أخرى | ~422 | ~30.3% |
أكثر من ثلث الإنفاق الحكومي يذهب للصحة والتعليم · وهذا ليس مجرد إنفاق اجتماعي، بل استثمار في القوة الشرائية المستقبلية: كل ريال يُنفق على صحة وتعليم المواطن يعود كإنفاق استهلاكي أعلى وإنتاجية أكبر.
القطاعات التي تستقطب الإنفاق الجديد
بعض القطاعات شهدت طفرات إنفاقية لم تكن موجودة أصلاً قبل خمس سنوات. هذه القطاعات تمثل الفرص الأهم للمستثمرين.
قبل 2019، لم يكن هناك سوق ترفيه حقيقي في المملكة. اليوم، سوق الترفيه والتسلية يُقدّر بـ 2.65 مليار دولار وينمو بمعدل 12.4% سنوياً. الحكومة ضخت أكثر من 50 مليار ريال في بنية الترفيه التحتية بين 2024 و2025، تشمل 21 وجهة لـ SEVEN ومشروع القدية ومناطق ترفيهية داخل نيوم.
المفارقة أن هذا الإنفاق كان "صفراً" عملياً في 2019 · مما يجعل معدلات النمو المذكورة أقل دلالة من الحقيقة البسيطة: تشكّل سوق جديد بالكامل في أقل من ست سنوات.
الإنفاق السياحي الإجمالي بلغ 300 مليار ريال (81 مليار دولار) في 2025، بزيادة 6% عن 2024. وعدد الزوار تجاوز 122 مليون (محلي ودولي) مقارنة بـ 116 مليون في العام السابق.
السياحة الداخلية تحديداً شهدت طفرة غير مسبوقة بفضل تطوير الوجهات المحلية: العلا والبحر الأحمر ومشاريع الرياض الترفيهية حوّلت إنفاقاً كان يذهب للخارج إلى داخل المملكة.
سوق التجارة الإلكترونية السعودي بلغ نحو 28 مليار دولار في 2025، بنمو سنوي مركّب يتجاوز 20% منذ 2020. واحد من كل أربعة مستهلكين يتسوق إلكترونياً بشكل يومي · وهو ثلاثة أضعاف النسبة في 2020.
الجائحة كانت نقطة التحول الحقيقية: سرّعت تبني التسوق الإلكتروني بسنوات. لكن الأهم أن هذا السلوك استمر وتعمّق بعد رفع القيود، مما يعني أنه تحوّل هيكلي دائم وليس موجة مؤقتة.
عدد طلبات التوصيل في المملكة تجاوز 290 مليون طلب في 2024، بنمو 27.2% عن العام السابق. هذا النمو يعكس تحولاً في سلوك المستهلك: الراحة أصبحت أولوية والاستعداد للدفع مقابلها ارتفع بشكل ملحوظ.
قطاع التوصيل تحوّل من خدمة هامشية مرتبطة بالمطاعم إلى بنية تحتية أساسية تخدم التجزئة والصيدليات والبقالة وحتى الخدمات المهنية.
الإنفاق العقاري: أكبر قرار مالي للأسرة السعودية
السكن يظل أكبر بند في إنفاق الأسرة السعودية، لكن طبيعة هذا الإنفاق تغيّرت جذرياً مع توسع سوق التمويل العقاري.
نمو الرهن العقاري من 14.8% من الناتج المحلي في 2022 إلى 20% في 2025 يعكس تحولاً هيكلياً: الأسر السعودية تحولت من الادخار لشراء المنزل نقداً إلى استخدام التمويل · وهو نمط أقرب لأسواق الاقتصادات المتقدمة. برنامج سكني وتسهيلات البنك المركزي (ساما) كانا المحركين الرئيسيين لهذا التحول.
رغم النمو الكبير، سجّل عدد عقود الرهن العقاري الجديدة انخفاضاً بنسبة 11% في 2025 · مما يشير إلى بداية نضج السوق بعد سنوات من التوسع السريع. المستثمر العقاري يحتاج أن يميّز بين النمو التراكمي (الذي لا يزال قوياً) والتباطؤ في الإضافات الجديدة.
المستهلك السعودي الجديد: من هو وماذا يريد؟
ليست الأرقام وحدها التي تغيّرت · المستهلك نفسه تغيّر. بيانات الاستطلاعات والدراسات ترسم صورة لمستهلك أكثر تطوراً وأكثر تطلّباً.
| السلوك | 2020 | 2025 |
|---|---|---|
| التسوق الإلكتروني اليومي | ~8% | 24% |
| الدفع النقدي عند الاستلام | مهيمن (>50%) | <30% |
| استخدام المحافظ الرقمية | محدود | 36% (الأولى) |
| الإنفاق على الترفيه | يكاد يكون معدوماً محلياً | $2.65 مليار سنوياً |
| طلبات التوصيل | خدمة ثانوية | 290+ مليون طلب سنوياً |
| التفاؤل الاقتصادي | حذر (جائحة) | 56% متفائلون |
لكن هناك جانب آخر للصورة يستحق الانتباه: 41% من المستهلكين أفادوا بانخفاض مدخراتهم، مما يعني أن الإنفاق ينمو بوتيرة أسرع من الدخل عند شريحة كبيرة. هذا يفتح نقاشاً مهماً حول استدامة هذا المستوى من الإنفاق على المدى المتوسط.
المستهلك السعودي في 2025 لا يشبه مستهلك 2020 · يتسوق من هاتفه، يدفع بساعته الذكية، يأكل في مطاعم عالمية لم تكن موجودة في بلده، ويحضر حفلات وفعاليات كانت حلماً. لكنه أيضاً ينفق أسرع مما يدّخر.
ماذا يعني كل هذا للمستثمر وصاحب الشركة؟
من هذا التحليل تبرز عدة استنتاجات عملية:
الترفيه والتجارب: سوق ناشئ بالكامل بنمو مزدوج الرقم · فرصة نادرة في اقتصاد بهذا الحجم.
التجارة الإلكترونية والتوصيل: نمو هيكلي مستمر مع تغيّر سلوكي دائم، وليس موجة مؤقتة.
المطاعم والمقاهي: إنفاق الفرد على خدمات الطعام في ارتفاع مستمر، والسوق بعيد عن التشبّع.
التمويل الاستهلاكي الرقمي: BNPL والمحافظ الرقمية في مراحلها الأولى مع مساحة كبيرة للنمو.
الادخار في تراجع: 41% من المستهلكين يدّخرون أقل · قد يعني تباطؤاً في الإنفاق إذا تغيّرت الظروف الاقتصادية.
الرهن العقاري يتباطأ: انخفاض عقود التمويل الجديدة 11% في 2025 يشير إلى نضج السوق وربما تشبّع الشريحة القادرة على التمويل.
العجز في الميزانية: ميزانية 2025 سجّلت عجزاً بـ 101 مليار ريال · الإنفاق الحكومي المتزايد مرهون باستمرار الإيرادات غير النفطية في النمو.
تحتاج تحليلاً مخصصاً لقرارك الاستثماري؟
فريق تسوى يساعدك في قراءة أرقام السوق وتحويلها إلى قرار استثماري واضح · سواء كنت تدخل سوقاً جديداً أو تراجع جدوى استثمار قائم.
احجز استشارتك المجانية